السبت، يناير 15، 2011

لماذا السودان لـ د. راغب السرجاني

د. راغب السرجاني

لماذا السودان نتابع جميعًا -منذ سنوات- ذلك الاهتمام المحموم من القوى الغربية وعلى رأسها أمريكا بالسودان وما يجري فيه من أحداث وصراعات، وتابعنا ذلك التدخل الدولي من أجل الوصول لحلٍّ لمشكلة الجنوب، والحرب الدائرة فيه منذ أكثر من عشرين عامًا، ذلك التدخُّل الذي أسفر عن اتفاق للسلام بشروط مجحفة تُعَدُّ مقدمةً لانفصال الجنوب عن الشمال، وإقامة دولة مسيحية فيه.

دارفور والتدخل الغربي

ولم يهدأ ذلك التسابق المحموم بعد توقيع الاتفاقية، ودخولها حيّز التنفيذ، ولكنه بحث عن جبهة أخرى يستغلها في تحقيق هدفه، وكانت هذه الجبهة هي إقليم دارفور؛ حيث اتهمت أمريكا والدول الكبرى ما أسمتهم "بميليشيات الجنجويد" عربية الأصل بإقامة مذابح جماعية، مدعومةً من الحكومة السودانية، وشنِّ حرب إبادة عرقية لقبائل أخرى من أصول إفريقية.

ورغم أن الجميع مسلمون، وأن الخلافات بين القبائل في إقليم دارفور قديمة، وكلها بسبب الاعتداءات التي تحدث من الرعاة على حقول المزارعين؛ لأجل إطعام قُطعانهم، ويتم حلها بمجالس عُرفيَّة أحكامها ملزمة للطرفين، رغم كل ذلك إلا أن القوى الاستعمارية -وعلى رأسها أمريكا- نسجت خيوط حرب عرقية، وحوادث اغتصاب يقوم بها مسلمون ضد مسلمين آخرين ومسلمات، وانبرت هذه الدول للدفاع عن حقوق هؤلاء المظلومين المسلمين ضدَّ إخوانهم الظالمين المسلمين أيضًا.

مرامي التدخل الغربي

وإذا كنا نعلم علم اليقين أن أمريكا ومعها أوربا لا تفتآن تحاربان المسلمين وتبيدانهم في كل مكان من الأرض تصل أيديهما إليه، فما بالهما في قضية دارفور تأتيان للتدخل من أجل حماية فريقٍ من المسلمين؟!! إن الأمر يمثِّل لغزًا لمن لا يدرك الأسباب الحقيقيَّة للتدخل الصليبي، فتعالَوْا نعرف أبعاد هذا التدخُّل ومراميه.

فيما يظهر لنا فإنَّ لهذا التدخُّل أربعةَ أسباب مهمَّة وأساسية:

خوف الدول الصليبية من انتشار المد الإسلامي في إفريقيا أوَّلها: خوف الدول الصليبية الاستعمارية من انتشار المدِّ الإسلامي في إفريقيا وسطًا وجنوبًا، وخاصة في جنوب السودان؛ فهذه الدول التي ظلت تدعم التمرد في جنوب السودان طوال عشرين عامًا أو يزيد -حتى استطاعت الوصول لاتفاق السلام الذي يمهِّد لانفصال الجنوب- تطمح بعد هذا الانفصال إلى تحقيق حُلمها بإقامة دولةٍ مسيحيةٍ في جنوب السودان. هذه الدولة مُخطَّط لها أن تحقِّق عدة أهداف استراتيجية، منها:

1- أن تكون حاجزًا منيعًا أمام انتشار الإسلام في إفريقيا.

2- أن تمنع التواصل بين أيّ محاولات مستقبلية من المسلمين للتواصل مع الشعوب المسلمة المضطهَدة وسط وجنوب قارة إفريقيا.

3- إبقاء دول الشمال المسلم في حالة قلق وعدم استقرار مستمرَّيْنِ، عن طريق تصدير الاضطرابات من هذه الدولة التي ستكون مرتعًا لأجهزة الاستخبارات العالمية.

ثانيها: قضية البترول السوداني، ومحاولات الاستيلاء عليه من الشركات الكبرى بهذه الدول الاستعمارية الصليبية؛ حيث يصل الإنتاج الحالي إلى 350 ألف برميل يوميًّا -في حالة استقرار الوضع السياسي- واحتياطي يصل إلى 3 مليار برميل، وتقع الاكتشافات النفطية بالجنوب، وجنوب شرق، وجنوب غرب؛ حيث جنوب دارفور ذي المساحة الشاسعة، والبترول الواعد الذي يمدُّ أمريكا حاليًا -من خلال أنبوبة النفط الممتدة بداية من تشاد- بحوالي 16% من احتياجاتها الاستهلاكية اليومية من البترول.

وهناك ما هو أخطر من البترول، حيث يختلط تراب إقليم دارفور باليورانيوم بكثرةٍ تجعله محطَّ أنظار كل القوى الكبرى عالميًّا وإقليميًّا.

ثالثها: السيطرة على منابع النيل، وهذه السيطرة لها أهداف متنوعة منها:

1- الضغط على مصر والسودان سياسيًّا، حيث سيصبح مصيرهما مرتبطًا بالدولة المسيحية المسيطرة على مجرى النيل، ومن ثَمَّ مرتبطًا بالدول الكبرى، ورغباتها، وعندها يصير القرار السياسي مرهونًا برغبات هؤلاء، وتفقد مصر والسودان استقلاليتهما عمليًّا، أو تضطران لخوض غمار حربٍ أمام القوى الكبرى دفاعًا عن الحياة ذاتها.

2- تقديم مياه النيل هدية إلى إسرائيل التي ما زالت تحلم وتخطِّط بوصول مياه النيل إليها؛ ليروي ظمأ المحتلين، وييسِّر سبل العيش والزراعة لهم بأرخص الأثمان.

رابعها: الاستفادة من خصوبة أراضي السودان سلة غذاء العالم العربي؛ في توفير الغذاء بأنواعه لكل الدول الاستعمارية المشاركة في إشعال الأزمة، مع إبقاء الوضع في شمال السودان على ما هو عليه من عدم استخدام هذه الأراضي بالصورة التي تخدم السودان والعالم الإسلامي، وذلك من خلال إبقائه في دوّامة الصراع، والضغط عليه باستخدام سلاح المياه.

إذن تتبدَّى الصورة في حقيقتها مختلفة عن الجزء الظاهر منها.. الذي تظهر فيه الولايات المتحدة وأوربا وهي ترتدي عباءة الأم الحنون التي تعطف على المساكين الذين يتعرضون للاضطهاد والإبادة، حيث يظهر الشكل الحقيقي لثعلبٍ ماكر يداور ويناور من أجل الْتِهام ذلك الجزء من العالم الإسلامي؛ لتنفتح له أبواب أخرى ظل يخطِّط لفتحها طويلاً حتى آن الأوان.

د. راغب السرجاني

الاثنين، ديسمبر 20، 2010

السياسة بين الطهاره والنجاسة...

* محمد عوض

انقسم الناس إزاء السياسة أقساما مختلفة :

• فمنهم من رآها رجسا من عمل الشيطان لا يجوز الاقتراب منه صونا لدينهم وأخلاقهم ، على اعتبار أنه – في تصورهم – لكى ينجح من يمارسها فإنه لا بد له من أن يتنازل عن أخلاقه ومبادئه وقيمه ، لأن السياسة - عندهم - لا ميدان لشيء من ذلك كله ، وأعلن هذا الفريق رأيه صراحة في قوله : (لعن الله ساس ويسوس وكل ما اشتق من هذا المصدر..) لأنها تعتمد مبادئ مفسدة للأخلاق من نحو : (الذى تغلب به العب به ..) وخلافه ، وقد عزز هذا التصور ممارسات وأفعال السياسيين لا سيما في مواسم الانتخابات.

• وفريق آخر رأى ضرورة المشاركة فيها والتخلق بأخلاقيات أهلها ، ورأى ضرورة الفصل بين الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها الإنسان في نفسه ، وعلى مستواه الفردي ، وبين الأخلاق التي يتخلق بها على المستوى الجماعي أو الحياتي أو السياسي ، (فهذه نقرة وهذه نقرة) ، وهذا الصنف لا يرى حرجا في أن يصلى ويزكى ويحج ويعتمر ويعمل أعمال الخير ، ثم هو ينافق سياسيا أو يبحث عن منفعته الفردية ....الخ .

وهؤلاء هم الذين ربوا تربية علمانية خالصة أشاعت في تربيتهم مفهوم أن القرآن (كتاب ديني) لا علاقة له بشئون الدنيا ، فهو يقرأ على الموتى وللتبرك وليتكسب منه الكسالى ، وكرست ازدواجية التعليم هذا الفهم .

وبالتالي انفصل القرآن عن النخبة السياسية والأكاديمية في الأمة .

• وهناك طائفة أشد علمانية من هؤلاء :

وهم جماعة من المغفلين المسلمين الذين خدعوا بعلمانية (الدول الغربية) ، وأن الغرب قد بنى تقدمه على (الفصل بين الدين والدولة)، واستقر في أذهان هؤلاء (المغربين) منذ القرنين الماضيين أن الدولة (ظاهرة مدنية) ، يجب أن يكون لها استقلال مباشر عما أسموه (بالظاهرة الدينية) ، ولم يلتفت هؤلاء إلى أن الدولة في الغرب لم تضع الدولة في مواجهة الدين ، بل قامت بتنظيم العلاقة بين الاثنين بحيث يحدث ذلك التنظيم بينهما نوعا من التعاضد والتماسك في تحقيق أهداف الأمة ، أما المقلدون من أبناء أمتنا وجلدتنا ، فقد فهموا أن المطلوب هو التخلي التام عن الدين ومحاصرة القرآن كما فعل (أتاتورك) ، وكثير من حكام المسلمين بعد ذلك بأساليب متنوعة .

وبرز بين هؤلاء وأولئك فريق الاعتدال والوسطية ، الذى أخذ بضرورة الاشتغال بالعمل السياسي انطلاقا من شمولية الإسلام ، وشمولية وثبات النظام الأخلاقي فيه ، فنزل إلى هذا الميدان ليؤكد للناس على أن أخلاق الإسلام كل لا يتجزأ ، وأن بالإمكان تجسيد الأخلاق الإسلامية في مجالات الحياة كلها بما فيها الجانب السياسي ، فليس هناك ميدان من ميادين الحياة يجوز للإنسان أن ينفصل فيه عن أخلاقياته فيعدو عليه تلون أو غدر ، لأنه رأى هذا الشمول وهذا الثبات في القرآن الكريم ، وفى سنة وسيرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التي هي التطبيق العملي للقرآن الكريم ، وفى تطبيقات أصحابه الكرام – رضى الله عنهم - .

ومن أمثلة ذلك – في الجانب السياسي تحديدا -:

1. في صلح الحديبية صالح رسول الله- صلى لله عليه وسلم – قريشا على أن من أتاه في المدينة من قريش مسلما بغير إذن وليه رده إليهم ، ومن أتاهم من المسلمين بغير إذن الرسول – عليه الصلاة والسلام – لم يردوه ، وبينما الكتاب يكتب إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده ، قد خرج من أسفل مكة ، حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين ، فقال سهيل : هذا أول ما أقاضيك عليه : على أن ترده فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : إنا لم نقض الكتاب بعد ، فقال : فو الله إذا لا أقاضيك على شيء أبدا ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : فأجزه لي ، قال : ما أنا بمجيزه لك ، قال بلى فافعل . قال : ما أنا بفاعل ، وقد ضرب سهيل أبا جندل في وجهه ، وأخذ بتلابيبه وجره ليرده إلى المشركين ، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا ، وأعطيناهم على ذلك ، وأعطونا عهد الله فلا نغدر بهم .

2. أمر الله تعالى نبيه – عليه الصلاة والسلام – حين يخاف من قوم - بينه وبينهم عهود ومواثيق – خيانة أن يعلمهم بأنه قد نقض عهدهم حتى يبقى علمه وعلمهم بأنه حرب لهم وهم حرب له ، وأنه لا عهد بينه وبينهم ، (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ [الأنفال: 58]) ، فكيف طبق هذا الخلق الرفيع في مجالات العلاقات الدولية؟

كان معاوية يسير في أرض الروم , وكان بينه وبينهم أمد ، فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم ، فإذا شيخ على دابة يقول : الله أكبر الله أكبر ، وفاء لا غدرا إن رسول الله- صلى لله عليه وسلم – قال : ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها ، أو ينبذ إليهم على سواء .

فبلغ ذلك معاوية فرجع فإذا الشيخ عمرو بن عنبسة.

وقائمة الأمثلة تطول ...

فمتى يعي هؤلاء هذا ؟ أم أنهم لا يريدون أن يعوا ؟ أم إنهم يعون ويتغافلون ؟

على كل فسيبقى الخلاف سنة من سنن الله تعالى في خلقه ، ولا يمكن حمل الناس على فهم واحد أبدا ، فهذا أمر ضد طبائع الأشياء.

ومن في الناس يرضى كل نفس .. وبين هوى النفوس مدى بعيد

لكن المطلوب هو التخلق بأخلاق الاختلاف ، وأهمها : حسن عرض ما عندك وحسن الانصات إلى الآخر ، وحسن التزام أدب الحوار ، والتي منها كذلك : هدوء ورزانة ينبغي التحلي بها لترك الفرصة للحجة تعمل عملها مع الناس ، فالصوت العالي في ذلك دليل ضعف ، لكن في زمن اختلاط المفاهيم ، وانحطاط ثقافة الاختلاف يسود منطق : الصوت الأجهر والأطول وضعوه في الصف الأول والصوت الخافت والمتوانى وضعوه في الصف الثاني

ــــــــــــ

باحث فى الدراسات الإسلامية

الاثنين، سبتمبر 13، 2010

الحمد لله

الحمد لله خرجت من الجيش ساجد لله